من دروس التاريخ التونسي في الصراع القرطاجي الاغريقي

من دروس التاريخ التونسي في الصراع القرطاجي الاغريقي

معركة آلاليا: الصراع القرطاجي الاغريقي


من الوقائع المجهولة في التاريخ القرطاجي هي وقائع الصراع القرطاجي الاغريقي في المتوسط و الذي وقع تناسيه تماما في ظل التركيز على وقائع الحروب البونية و خاصة الهرب البونية الثانية، و المتأمل في التاريخ بإمكانه تحليل وقائع هذا الصراع للخلوص لنتائج بإمكانها إيضاح بعض الأسئلة حول “كرطاج” و مجمتعها و طبقتها السياسية.
من الوقائع المجهولة في الصراع القرطاجي الإغريقي هي معركة آلاليا البحرية : ماهي ظروف نشوب هذه المعركة ؟ ماهي وقائعها ؟ و ماهي نتائجها ؟ و ماهي أبرز الملاحظات و الإستتنتاجات المتعلقة بها ؟

۞ ماهي ظروف نشوب هذه المعركة ؟

كان الحوض الغربي للمتوسط مسرحا لتوسع تجاري فينيقي و يوناني و قد تطورت الأساكل الاغريقية و الفينيقية لتشكل مستوطنات و مدن مستفيدة منخلو هذه المنطقة من القوى بحرية أو السياسية المهيكلة فالكلت، الشعوب الإيبيرية، الشعوب الامازيغية، الليغوريين، لم تتنظم لتنتج هيكلا سياسيا: مدينة/دولة، مملكة، إمبراطورية، إلخ… يقوم بتحجيم التوسع التجاري و التحكم فيه.

و قد ساهمت حركات الهجرة المتعددة: هجرات شعوب البحر، الفرار من الخطر الاشوري، النزوح نتيجة الضغط السكاني في صياغة الحوض الغربي للمتوسط حول ثلاث قوى:

1/ الحلف الإترسكي في شمال إيطاليا و يضم قرابة 12 مدينة/مستوطنة تقوم بالتوسع في المجال الإيطالي (جنوبا نحو كامبانيا و هضبة اللاتيوم و شمالا نحو سهول البو) و يمتلك هذا الحلف أسطولا بحريا،

2/ الفوسيون و هم مهاجرون اغريق من منطقة آسيا الصغرى أسسوا مدينة ماساليا (مرسيليا الحالية في جنوب فرنسا) و قاموا بإيجاد مستوطنات في المنطقة ( الجنوب الفرنسي و منطقة كاتالونيا في إسبانيا) و إمتلك الفوسيون أسطولا بحريا موجها للقرصنة،

3/ الحلف القرطاجي و يضم المستوطنات الفينيقية و القرطاجية في الحوض الغربي للمتوسط تحت سيادة و زعامة مدينة كرطاج و يمتد هذا الحلف من خليج السرت للمحيط الاطلسي و شبه الجزيرة الايبيرية و جزر المتوسط و يعتمد على أسطوله البحري في النقل التجاري و العسكري،

وقد إرتبط الإتروسكيون و القرطاجيون بمعاهدات تجارية (تدعمها الموجودات الاثرية خاصة صفائح بيرغي الذهبية) متعددة تخول للتجار حرية في الإبحار و ممارسة التجارة و تمنحهم حماية الأسطولين.

مثّل الحضور الاغريقي المتوسع تهديدا لتجارة كرطاج: فالفوسييون انشئوا مستوطنات في كورسيكا و تاجروا مع شعبها و من ثم انشؤوا مستوطنة في إسبانيا و صاروا يتاجرون مباشرة مع الأقوام و الأهالي و الشعوب بدون الحاجة لوساطة قرطاجية، وقد إقتربت حركة استيطان الفوسيين من مناطق إنتاج المعادن في إسبانيا و بإمكانها إيجاد منافذ لها في المحيط لتصل لجزر القصدير (الجزر البريطانية) بما يعني ضربا للمصالح التجارية القرطاجية؛

۞ ماهي وقائع هذه المعركة ؟

منع الأسطول القرطاجي كل السفن المتوسطية من تجاوز أعمدة هرقل (مضيق جبل طارق)، وذلك حماية لمصالح محتكري تجارة المعادن: الفضة، القصدير، الذهب القرطاجيين & لكن المنافسين التجاريين الفوسيين نجحوا في إيجاد طرق أخرى تجمع الإبحار في الانهار و السير برا للإتصال بالغاليين و الايبيريين و المتاجرة معهم كما أن الفوسيين قاموا بالتحالف مع القوى الإغريقية الاخرى في جنوب إيطاليا و في صقلية بشكل مكنهم من السيطرة على مضيق مسينا و التحكم في حركة التجارة بهذه المنطقة عبر فرض الرسوم و الضرائب و القرصنة.
و تعتبر هذه الظروف دافعا لشن حرب إتروسكية قرطاجية ضد الفوسيين، و قد كانت هذه الموقعة بحرية بالأساس:

. دارت المعركة في سنة 535 ق.م أو 540 ق.م،
. تواجهت قرابة 60 سفينة قرطاجية و 60 سفينة اتروسكية ضد ستين سفينة فوسية،
. وقعت المعركة في المياه القريبة من جزيرة سردينيا أو جنوب جزيرة كورسيكا،
. تحمل القرطاجيون عبئ المعركة حيث فقدوا عددا كبيرا من سفنهم و ألحقوا خسائر كبيرة بالفوسيين (قرابة 40 سفينة فوسية تم اغراقها)،
. عسكريا فإن الفوسيين ربحوا المعركة بثمن باهظ : فقدان الثلثي الأسطول.

۞ ماهي نتائج هذه المعركة ؟

إثر هذه المعركة تفطن الفوسيون لعجزهم عن مواصلة التجارة، أو القتال بعد فقدان ثلثي قطع اسطولهم فتم إخلاء مستعمرة “ألاليا” في كورسيكا بشكل شبه كلي و إتجه بعض سكانها للجنوب الإيطالي حيث اسسوا مستعمرات في منطقة “كالابريا” فيما دعم بعضهم مستعمرة ماساليا في جنوب بلاد الغال (مرسيليا الحالية)، و قد جدد القرطاجيون معاهداتهم مع التروسكيين بشكل ذهبت فيه كورسيكا للاتروسكيين بينما سيطر القرطاجيون على جزيرة سردينيا و دعموا حركة الاستيطان بها،
دعمت كرطاج من سيطرتها على حركة الملاحة بالمتوسط و اثبتت جدارتها بزعامة المستوطنات الفينيقية في هذه المنطقة، كما سارعت ببعث مستوطنات خاصة بها في الجزأ الغربي من صقلية و في سردينيا، و قامت بتحجير التجارة على التجار الاغريق في مناطق نفوذها الجديدة،
بقيت السيطرة اليونانية على مضيق مسينا قائمة و تدعمت حركة الاستيطان الاغريقي في جنوب شبه “الجزيرة الايطالية” و شرق “صقلية” ممهدة لحلقات اخرى من الصراع القرطاجي الإغريقي، كما أن مدينة “مساليا” رغم تراجعها الاقتصادي و السياسي إلا أنها بقيت ممثلة للحضور الاغريقي بهذه المنطقة (سوف تتحالف هذه المدينة مع القوة الصاعدة روما في وقت لاحق)؛

۞ ماهي أبرز الملاحظات و الإستتنتاجات المتعلقة بهذه المعركة ؟

كمتأمل للتاريخ، فإنه لايمكنني سوى توجيه نقد لاذع للسياسة القرطاجية من حيث:
. عدم تطويرها لتقنياتها الملاحية : خسارة المعركة البحرية في “ألاليا” يثبت إمتلاك كرطاج لاسطول كبير من حيث عدد القطع و لكن تعوزه الكفائات (الأميرالات) و تعوزه التقنيات المتطورة (تفطن الرومان لهذا في مناسبات لاحقة)؛
. التركيز على ضمان التفوق البحري عبر إغلاق مضيق جبل طارق رغم توصل الفوسيين في “ماساليا” للتجارة مع الإيبيريين و الغاليين عبر الطرق البرية و الإبحار في الأنهار & إهمال ضرورة ضم أو تحطيم المنافس التجاري: بقي الفوسيون في “ماساليا” و في شمال “ايبيريا” و تحالفوا مع الاغريق في “شرق صقلية” و “جنوب إيطاليا” و مارست المدن المنافسة لتجارة كرطاج اعمال القرصنة و الإستيطان في المجال القرطاجي : دور مدينة “سيراكوز”، الاغريق و تأسيس مستعمرات في “ليبيا”، إلخ …
. عدم بنائها لمجال بري لنفوذها لحدود هزيمتها في الحرب البونية الاولى على يد روما،
. إكتفائها بتنظم إقتصادي بسيط : تجارة المقايضة في وقت عرف فيه العالم القديم ظاهرة النقود : أقدم عملة في المنطقة تعود للقرن السابع قبل الميلاد في ليديا (تركيا الحالية) و تم إستعمال العملات في العالم اليوناني المتوسطي في نفس هذه الفترة لكن كرطاج لم تقم بإصلاحها النقدي إلا في القرن الرابع ق.م.

==> لم تسع كرطاج لمواكبة التطورات السياسية، العسكرية، التقنية و الإقتصادية و كان لهذا القعود عن التقدم دور مهم في المصير المؤلم لهذه الحضارة العظيمة؛

تساؤل بريئ : إلى أي مدى يتوافق القعود القرطاجي الرافض للتقدم مع الركشة التونسية المعاصرة و رفض التقدم ؟ هو مبحث تاريخي او انثروبولوجي خطير و ممتع لو يتصدى له المختصون.

ـــــــــــــــالمصادر:

ALALIA AND THE AFTERMATH ; by Gregory Douglas Wear ;

موقع mysteriousetruscans.com

Gras, M., Marseille, la bataille d’Alalia et Delphes. Dialogues
d’histoire ancienne

Véronique Krings, Carthage et les Grecs

 
 
 

Visits: 664