“باطن القرن” 1531، معركة إنهزام السلطان الحفصي أمام جيش القبائل التونسية بقيادة عرفة الشابي

_ إثر إستقلال {سيدي عرفة الشابي} بالقيروان، بادر {الحسن الحفصي} بمهاجمة المدينة بإعتبارها الخطر الداهم على عرشه المُهتزّ، فإتجه إلى القيروان في أشتات من الأعراب و فرق من المسيحيين ليوقع بخصمه و يحتل المدينة المتميزة بأهميتها الروحية و العسكرية، و سلك بجيشه إلى القيروان الطريق التي أصبحت تُعرف في العهد الحسيني بثنيّة المحلّة، و تمثّلها شبكة الفحص و الجببينة و السبيخة فوصل إلى مكان يقع غربيّ القيروان و يبعد عنها 10 كلم يُسمى باطن القرن.

و لما عسكر فاجأه {سيدي عرفة} ليلاً و أجهز عليه فإنهزم و أخذت أمواله و رجع إلى تونس مكسوراً. عندما فاجأ جيش الشابيّة الجيش الحفصي ليلاً و بدأ الإلتحام أطلق جيش الشابية نداء (الله أكبر) فإنضمت أغلبية الجيش الحفصي لـ{سيدي عرفة} و تمزقت القلة الباقية، ولاذ {الحسن} بالفرار إلى مدينة تونس تاركاً وراءه أمواله و عُدته. وقد تأكد بهزيمته هذه قيام الإمارة الشابيّة.

إلاّ أن {الحسن} ظلّ عازماً على إفتكاك القيروان، فحمل عليها ثلاث مرات لم يجني منها إلاّ الخيبة، إحداها سنة 1535 و الثانية في بداية سنة 1536 و الثالثة في جوان سنة 1540.

كان جيش {سيدي عرفة} مُكوناً من أهم القبائل الموالية (الحنانشة، النمامشة، دريد، الحراكتة، بني بربار، الهمامة، أولا سعيد، وغيرهم…) و هو متفوق على جيش {الحسن} عدداً و حُسن تنظيم لكنه لا يختلف عنه من حيث الأسلحة، إلا أن جيش الحسن كان مكوّناً من جموع قوامها أشتات من الأعراب مُعتصمة بطمعها في أموال {الحسن} لا تنظيم لها ولا إيمان بهدف، و من هذه الناحية فهي أشبه بالزّمايل المتحركة، و من ثم فلا تخطيط يسندها ولا قيادة مؤمنة و محنكة تُحدد لها سبل العمل العسكري المُنظم، و حسب المصادر الأوروبة فقد ضمّ هذا الجيش كذلك فرقة مسيحية لا شأن لها.

أما جيش سيدي عرفة فكان مُحكم التنظيم، صُلب البناء، قوامه شباب يُمثل بإنتسابه سائر أنحاء إفريقية و بإيمانه بتحرير البلاد درع الأمة التونسية الناشئة، و طليعة قيادة رشيدة مارست توعية الشباب مُدة طويلة و كلفت بتجذير القومية فيه دونما عياء. عندما قاد {سيدي عرفة} هذه المعركة كان عمره 64 عاماً قضى 42 سنة منها في تلك التوعية، و قد ساعده في قيادته العسكرية صفوة من أبناء الشابيّة في مقدمتهم إبناه {أحمد الشابي} و {محمد الزفزاف} الذي سيُعرف فيما بعد لدى الأوروبيين بـ(لوثر الإفريقي) و إبن أخيه {محمد بن أبي الطيّب} الذي تولّى الإمارة من بعده و قريبه {محمد بنّور}. و كان على رأس كل فرقة قبليّة في هذا الجيش قائد منها يخضع لأوامر القيادة العليا، و ليس لهذا الجيش من هدف إلا الإجهاز على العدو، لا لمطمع يتملكه ولا لصبوة يسعى إليها ولكن لنصرة الدين و إنقاذ الوطن من ردّة الحفصي و صليبيّة الإسبان و تربّص الأتراك العثمانيين.

و حين وجد {سيدي عرفة} الفرصة سانحة لدخول في مواجهة ضد الأتراك، إنقضّ على الكتيبة العثمانية المتمركزة في القيروان منذ أوت 1534 و أجهز عليها، فأرسل أتراك الساحل بنجدة إلا أن أهالي القيروان إعترضوا طريقها و قتلوا نصفها و فرّ باقيها هائمين لتتلقفهم الأعراب.

*المصدر:

– كتاب عرفة الشابى رائد النضال القومى فى العهد الحفصى.

Visits: 569